هشام جعيط
240
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
بين الحيرة والنجف المقبل . لكن النجاف ليس السبخة ، السبخة التي أرادت بعض المصادر الشيعية المتأخرة المزيفة إلى حد بعيد ، أن تجعل منها مكانا لا ماء فيه . بل خلافا لذلك ، تبدو السبخة بمعناها الثاني والمرجح أنه هو القديم ، وهو الغيضة التي أتخمت ماء في بعض الفصول ، حيث ينبت القصب الرديء . ولا شك أنها كانت منطقة يفيض فيها الفرات لكن بموضع من أرض أجاج ، يحدّ دور الكوفة إلى الشرق . ويؤيد هذا الأمر خبر واضح لا غبار عليه ورد ذكره في تاريخ الطبري ، بخصوص ثورة شبيب ، « السبخة بين الكوفة والفرات » « 1 » قبل الجسر . واعتمد ماسينيون هذا الأمر فعين موقعها على مخططه شرقي الكوفة تماما خارج المدينة طبعا ، لكن في اتجاه الشمال . إلا أنه يمكن التساؤل عمّا إذا لم يكن من المناسب التقدم بموقعها أكثر إلى الشمال ، وذلك اعتمادا للرواية المتعلقة بثورة المختار . وخلافا لذلك ، تميل الأخبار الخاصة بمجيء مصعب من البصرة إلى تحديد موضعها في الجنوب الشرقي في اتجاه البصرة « 2 » أي حيث تبدأ البطائح في الظهور . وينبغي في كل حال تحديد موقعها بصفة واضحة خارج الكوفة بحيث يكون لها مجال معين تنفتح عليه ، لا أن يكون لها موقع محصور حيث يقترب الفرات أكثر ما يكون من المدينة . ولنمعن النظر في النص الذي اهتم بهذا الموضوع لكي نستمد منه ما أمكن بخصوص السبخة كما بخصوص عناصر طوبوغرافية أخرى كالجبانة وبعض الخطط . كان المختار قريبا من ثقيف كما هو مفروض ، أي إلى الشمال الشرقي من المساحة المركزية وقد انتقل إلى السبخة مع رجاله ورجال إبراهيم ، شعورا منه بقرب المواجهة الشاملة بين جنوده وجند السلطة « 3 » ، وقد كان محقا في تخمينه هذا . الواقع أن الأمير عمل بنصيحة شبث « 4 » فجمع كل القادة الذين كانوا قبل ذلك متفرقين في الجبانات والكناسة . كانت ليلة ترقب وتأهب للقتال من الجانبين ، ولا سيما أن عشيرتين كبيرتين من همدان : شاكر وشبام قد لحقتا بالمختار ، ووصلتا إليه بعد أن مرّت شاكر بجبّانة بشر ، ومر الآخرون بجبّانة مراد « 5 » . وقد اجتهدوا في تجنب جبّانة السبيع كأن الجبّانات كانت تتحكم كلها في نقط الخروج ، فكادت أن تكون ممرا إجباريا . تمركز المختار بالسبخة مع 3800 رجل « 6 » وكان يواجهه 2000 رجل أو يزيد ، حشدهم الأمير ، بمكان له من السعة ما كان يسمح باحتواء هذا الجمع ويخول
--> ( 1 ) الطبري ، ج 7 ، ص 275 . ( 2 ) انظر لاحقا . ( 3 ) الطبري ، ج 6 ، ص 22 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ص 22 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ص 23 . ( 6 ) المرجع نفسه ، ص 29 .